عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
34
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الفصل الثاني في كيفية الوحي اعلم أن ما ذكرناه من مقام الأنبياء هو غاية شرف الإنسانية ، والأفق الأعلى منه ، فلم يبق له الارتقاء عن هذا المقام بسعيه وجهده بل تختلط إليه الأمور الإلهية والجذبات الربانية وحيا أو إلهاما ، كما قال تعالى لنبيه - صلى اللّه عليه وسلّم - : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [ الشّورى : 52 ] أي : ما كنت تدري مع كمال عقلك وغاية حسن استعدادك ، ما يكون الكتاب والإيمان ، يشير إلى أن الإنسان بالعقل الكامل لا يطلع على حقائق القرآن ونور الإيمان ، ولكن جعلناه يعني الكتاب والإيمان ، نورا نهدي به من نشاء من عبادنا بالوحي المنزل إليهم ، ومثال ذلك : أن الإنسان إنما ارتقى من قوة الحس إلى قوة التخيل ، وارتقى من قوة التخيل إلى قوة الفكر ، ومن قوة الفكر إلى إدراك حقائق الأمور التي في العقل . وذلك أن هذه القوى متصلة اتصالا روحانيا كما بينا فيما مضى ، فربما عرض لها من قوة قبول بعضها من بعض الآثار أن ينعكس في بعض الأمزجة منحطة كما تصاعدت على سبيل الفيض فيؤثر حينئذ العقل في القوة الفكرية وتؤثر القوة الفكرية في القوة المتخيلة في الحس ، فيرى الإنسان أمثلة الأمور المعقولة ، أعني حقائق الأشياء ومبادءها وأسبابها ، كأنها خارجة عنه . وكأنه يراها ببصره ويسمعها بأذنه ، وكما أن النائم يرى أمثلة الأشياء المحسوسة في القوة المتخيلة ويظن أنه يراها من خارج وربما كانت صحيحة مبشرة أو منذرة في المستأنف ، وربما رأى الأمور بأعيانها من غير تأويل وربما رآها مرموزة تحتاج إلى تأويل ، كذلك حال هذا المستيقظ إذا استقرت فيه هذه القوة العالية أخذته عن المحسوسات حتى كأنها غابت عنها فيشاهد في القوة المتخيلة ما انحدر إليها من علو الخفي من إراءة اللّه تعالى إياه إلى العقل ومن العقل إلى الفكر ومن الفكر إلى المتخيلة . ويسمع ما لا يشك فيه ، ولأن تلك الأمور ليست في زمان فمستقبلها وماضيها واحد . لأنها حاضرة معا فالأمور لائحة له ، فيشاهد مستقبلها كما يشاهد ماضيها فإذا أخبرها كانت صحيحة وكانت وحيا . واللّه أعلم .